قصة الحرب الأهلية الروسية 1917م

يذخر التاريخ بالعديد من الحروب الدموية ، التي أودت بحياة الكثير من البشر ، تلك الخسائر الفادحة على كل بقعة من بقاع الأرض ، شهدت دماء سائلة ، وخسائر مادية أيضًا عانت من بعدها الشعوب طويلاً حتى تستفيق من ويلات الحرب ، وتستطيع الوقوف مرة أخرى مثلما كانت .

في حين لم تستطيع الكثير من الشعوب تعويض خسائرها سواء أكانت بشرية أم مادية ، كما تنوعت الأسباب التي اندلعت من أجلها الحروب سواء الدينية أو الأهلية أو الطائفية وغيرهم .

وتعد الحرب الأهلية الروسية من أشد الحروب وطأة وهولاً على مدار التاريخ ، تلك الحرب التي امتدت منذ عام 1917م وحتى عام 1921م ، وانتهت بانتصار المجموعات البلشفية اليسارية بقيادة فلاديمير لينين وعددًا من الثوار التابعين له ، في مقابل حكومة القيصر نيكولاس الثاني الذي تم أسره ومن ثم إعدامه .

وكانت تلك الحرب الأهلية هي النواة التي تأسس على إثرها ، الاتحاد السوفييتي الذي ضم العديد من الدول الغربية ، ولكن تم حله بنهاية القرن العشرين المنصرم .

أسباب اندلاع الحرب الأهلية الروسية :
كان هدف فلاديمير لينين منذ عام 1914م ، أن تتحول الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية ، وبمجرد صعود البلاشفة في المرحلة الأولى من الحرب الأهلية الروسية عام 1917م ، ظلت تلك الفكرة تتأجج بفعل أغلب المسئولون من قادة البلاشفة ، ظنًا منهم أن الثورة الروسية لن تتحول إلى ثورة عالمية ، سوى بانطلاق الحرب الأهلية أولاً .

بالإضافة إلى عدد من الأسباب الأخرى منها ؛ مقاومة الطبقة الحاكمة بشدة للبلاشفة ، عقب خسائرهم الفادحة للسلطة والممتلكات ، وكذلك قيام البلاشفة بحل البرلمان الذي لم يشكلوا سوى أقلية قليلة به ، ولم تتوقف الأسباب عند هذا الحد فقط ، بل لعبت اتفاقية أو معاهدة بريست ليتوفسك دورًا مهمًا في تأجيج قرع طبول الحرب الأهلية ، إلى جانب العديد من الإجراءات البلشفية القمعية بالأرياف .

حيث استهدفت كبار الفلاحين ونهبت ثرواتهم بهدف الحصول على ما بقي لديهم من حبوب  ودور بعض الأسرى من النمسا والمجر والتشيك ؛ الذين حاولوا لفترة طويلة أن يحصلوا على حلول فاعلة لكافة مشاكلهم في روسيا باستخدام القوة ، وأخيرًا تدخل عدد من دول التحالف الرباعي مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة في الشؤون الداخلية للدولة الروسية .

المرحلة الأولى أكتوبر عام 1917م– نوفمبر عام 1918م :
في تلك المرحلة من الثورة الأهلية الروسية ، تم إعداد قوتين من الجيوش لكل طرف من الطرفين المتنازعين ، بالإضافة لقوات دول التحالف الرباعي التي تدخلت في الشأن الروسي ، ومع حلول نهاية عام 1917م تم إسقاط القيصر نيكولاس الثاني ، ومع انتهاء حكمه لروسيا وقعت كافة المدن الروسية في قبضة لينين البلشفي .

وفي أثناء تلك الفوضى ، استغلت عددًا من المدن الفرصة وقامت بإعلان استقلاليتها ، وتحول المعارضون لحكم لينين في موسكو بأنظارهم إلى الألمان ، بوصفهم أنصارًا لهم ، نظرًا لأن الألمان كانوا من أعداء لينين .

بينما بدأت الجيوش في جنوب روسيا ، والتي كانت تعمل تحت حكم القيصر نيكولاس الثاني ، في التجمع والالتفاف معًا تحت قيادة القائد الروسي كورنيلوف ، ونجحوا في تكوين جبهة مضادة لحكم لينين والبلاشفة بوجه عام ، وتكلل نجاحهم بالسيطرة على روستوف .

معاهدة بريست – ليتوفسك مع ألمانيا :
بحلول مارس من عام 1918م تم توقيع معاهدة سلام مشتركة بين كل من روسيا وألمانيا ، ولكن روسيا لم تكن راضية تمامًا عنها ، ورأت بأن تلك الاتفاقية تعمل على إهانة الجانب الروسي بشدة .

تلك المعاهدة التي ساهمت في إبراز ضعف لينين ، ومجموعة البلاشفة بوجه عام ، حيث خرجت روسيا من الحرب العالمية الأولى نتيجة لتوقيعها لتلك المعاهدة ، مما زاد من حدة الغضب الشعبي تجاه البلاشفة ، وازداد التوتر داخل روسيا بدوره ، فانتقلت الحرب الأهلية الروسية إلى المرحلة الثانية لها .

المرحلة الثانية نوفمبر عام 1918م – مارس عام 1920م :
في هذه المرحلة من تاريخ الحرب الأهلية الروسية ، وقعت العديد من المعارك بين الجيشين الأبيض والأحمر ؛ حيث مثّل الجيش الأبيض كافة القوات العسكرية والسياسية الروسية المناهضة للبلاشفة ولينين نفسه .

بينما مثل الجيش الأحمر الجنود الذين تم ضمهم لتكوين جيشًا يدعم المجموعة البلشفية ولينين ، وكانت أهدافهم هي القضاء على جنود الجيش الأبيض المدعومين من جانب تشيكوسلوفاكيا ، واليابان والولايات المتحدة الأمريكية ، وفرنسا والمملكة المتحدة ، وتشير عبارة الجيش الأحمر إلى الدماء وسيطرت قوت الجيش الأحمر في النهاية على أغلب أراضي البلاد .

المرحلة الثالثة مارس عام 1920م – أكتوبر عام 1922م:
استمر الصراع الدموي بين المعسكرين ، الأبيض والأحمر طوال تلك الفترة حتى نهاية أكتوبر ، من عام 1922م ودارت المعارك بالعواصم التي اتخذها كل جيش مقرًا له ، بالإضافة إلى وسط روسيا .

النتائج:
ما أسفرت عنه الحرب الأهلية الروسية من نتائج ، كانت بشعة للغاية فقد فقدت روسيا بأكلمها أكثر من مليوني شخصًا ، من جنود الجيشين الأبيض والأحمر ، بالإضافة إلى الأعداد المهولة من القتلى المدنين ، من النساء والرجال والأطفال ، قام بقتلهم القائد سيميونوف داخل المناطق التي كانت تقع تحت سيطرته .

ولم تتوقف الخسائر عند هذا الحد فقط ، بل عانت روسيا بأكملها من حالة جفاف خلال الفترة من عامي 1920م و1921م ، ولحقتها معاناة الشعب الروسي من مجاعة كارثية حلت بهم مع حلول عام 1921م .

راح الملايين ضحية المجاعة التي حدثت ، والمذابح التي تمت بحق الشعب الروسي والجيوش المتصارعة ، والمحاكم التي تم بها إعدام الملايين دون محاكمات رسمية أو شرعية من الأساس .

توالت الكوارث على روسيا إثر تلك الحرب الأهلية المقيتة ، فانتشرت الأوبئة بشدة ، وتشرد على إثرها أكثر من ثلاثة ملايين طفلاً روسيًا ، نتيجة عقد كامل من الدمار تركته خلفها الحرب العالمية الأولى ، واستكملت مسيرة الخراب الحرب الأهلية ، والتي فر منها العديد من الشعب الروسي إلى بعض دول الشرق الأقصى ، ودول البلطيق وكانوا جميعهم من المتعلمين والعمال المهرة من الروس .

تم تدمير الاقتصاد الروسي كاملاً خلال الحرب ، حيث تدمرت كافة المصانع والمناجم ، وحُطمت الجسور فأتت على البنية التحتية أيضًا ، وتلفت الآلات ونُهبت الماشية ، مما تسبب في مجاعة حقيقية لسكان روسيا في هذا الوقت ، حيث أُنهكت البلد بأكلمها .

إعدام نيكولاس الثاني :
تم إلقاء القبض على القيصر نيكولاس الثاني ، وإيداعه هو وأسرته بالإقامة الجبرية داخل قصر ألكسندر في سيلو تراسكوي ، أثناء قيام الثورة الروسية وعقب سيطرة البلاشفة على الحكم بعد أن تنازل عنه القيصر نيكولاس ، تم نقله مع أسرته مرة أخرى إلى بيت الاستعلامات الخاصة في يكاترينبرج .

عانت روسيا من التفكك إثر نجاح الثورة التي قادها البلاشفة في أكتوبر 1917م ، الذين قاموا بتأجيج فتيل الحرب الأهلية آنذاك ، وكانت هناك مفاوضات جادة بين البلاشفة وبعض أقارب الأسرة الملكية في أوربا ، بشأن الإفراج عن رومانوف مع تقدم الجيش الأبيض تجاه يكاترينبرج حيث تم وضع نيكولاس الثاني وأسرته ، فقام البلاشفة باتخاذ قرارهم بقتل كافة أفراد الأسرة الملكية جميعًا ، حتى لا يجدهم أفراد الجيش الأبيض عند وصولهم .

فُقتل القيصر نيكولاس الثاني وزوجته وابنه وبناته الأربع ، بالإضافة إلى الخدم والطاهي ، جميعهم داخل غرفة واحدة في السابع عشر من يوليو عام 1918م ، على يد يورفسكي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *