كان المنظر غريبًا أيما غرابة ، على الرغم من أنني لم أكن أراه للمرة الأولى ، فهو مشهد معتاد لدينا في مصر ، على الأقل ولكن في سنغافورة الوضع مختلف فقد شعرت بأنني في قلب القاهره فعلًا ، وفي ميدان العتبة الخضراء بالتحديد ، فالتيشيرتات هي نفس التيشرتات ، والولاعات هي نفس الولاعات ، ولكن الباعة لم يكونوا نفس الباعة بالتأكيد ، فقد كانوا هنودا يبيعون .
يوم السبت :
كانت هذه هي المرة الأولى التي أخرج فيها يوم السبت ، وفي سنغافورة يوم السبت هذا يعني الكثير ، فهو اليوم الذي يعمل فيه الناس نصف يوم ، ويستعدون كذلك لأجازة يوم الأحد ، باختصار يعد يوم السبت في سنغافورة بمثابة يوم الخميس بمصر ، وإن كانت الأيام لا تختلف كثيراً عن بعضها البعض ، إلا في بلاد العمل والإنتاج ، ويوم العطلة الأسبوعية يعني الكثير لأناس لم يجف عرقهم ، بعد أيام عمل شاقة طوال الأسبوع .
أسواق الباعة الجائلون :
ولكن يبدو أن هناك أناس كانوا يستعدون للعمل يومي السبت والأحد ، وكانوا يعملون بمنتهى الجد لنصب أسواق مخصصة للباعة الجائلين ، أسواق تعمل فقط يوم السبت بعد الظهر ، وفي يوم الأحد طوال اليوم ، أسواق تجد فيها كل ما يخطر في بالك مع بضائع صينية وهندية وملابس وأجهزة جديدة ومستعملة من كل الماركات على كل شكل ولون .
كانوا يفترشون الأرض في حديقة كبيرة تتوسط ميدانا كبيرًا ، بالقرب من محطة متروبوجيس ، أي أنه أشبه بأسواق ميدان العتبة الخضراء ، والفارق الوحيد هو أن الأسواق كانت مؤمنة بالفعل ، لكن ليس بالإخوة البلطجية الذين يملأون الأسواق عندنا ، إنما بعربات الشرطة التي كانت تمشط المكان باستمرار ، فأنت في دولة تحترم البيع والشراء ، ولكن تحت مظلة القانون .
داخل السوق :
تجولت داخل السوق كنوع من أنواع حب الاستطلاع ، لا حباً في الشراء ،فأنا من هواة التعرف على الأشياء ،مابين الحديث منها على أحدث طراز، مثل اسطوانات الليزر والكاميرات الرقمية ، إلى القديم جداً ويدخل في باب الأنتيكات ، مثل الجرامافونات واسطواناتها وكاميرات التصوير عتيقة الطراز ، والراديوهات الخشبية الكبيرة جداً من عهد ماركوني ، وكذلك التماثيل الهندية والورقيات والخزفيات الصينية والتوابل والأعشاب الطبية .
وأشياء أخرى لم أتبين ما هي بالضبط ، من أقفاص تمتلئ بحيوانات وطيور غريبة الشكل ، بل وصناديق زجاجية تحتوي على كل شكل ولون ، فأيقنت أن الأمر قد بات بالغ الخطورة ، فأسرعت على الفور بمغادرة الحديقة ، فربما تكون هناك نمور وأسود معروضة للبيع ، وأنا لست من سلالة عائلة الحلو ..
باعة جائلون في كل دول العالم :
والحقيقة أنه لا يوجد دولة في العالم يخلو من الباعة الجائلين ، ففي ظل ارتفاع الأسعار المبالغ فيه ، في بضائع المحلات التجارية المثقلة بأعباء الضرائب وأجور العمال وتكاليف الديكورات والإضاءة والفواتير التي لا تنتهي .
التي تصب في نهاية على رأس المستهلك النهائي ، فيلجأ المسكين لأي بائع على ناصية الشارع ، لا يدفع أي شيء لخزينة الدولة ، التي رصفت وجملت وأعدت له هذا الشارع ، الذي يستغل كل شبر فيه ، حتى تغول هؤلاء الباعة في بعض الدول ، وصارت إزالتهم من بعض الشوارع أشد وطأة من إزالة الاحتلال الأجنبي قديماً ، وصارت الأرصفة بل الشوارع كلها ملكاً لهم !!
فهم أساس المشكلة :
لكن الدول التي وعت التجربة منذ بدايتها علمت بأن الأمر لا يمكن ايقافه بالحملات الأمنية ، ولا بمصادرة العربات وتحميلها لترقد أمام مديريات الأمن ، بعد الإطاحة بالبضائع على قارعة الطريق ، ثم بعد أن يمر أقل من نصف ساعة على تلك التجريدة الأمنية ، سوف تجد كل شيء قد عاد لأصله ، وكأن شيئاً لم يكن ..
العثور على حلول في سنغافورة :
وقد تغلبت دول متقدمة مثل سنغافورة على تلك المشكلة ، ولكن بعدم دفن الرؤوس في الرمال ، إنما بتخصيص اماكن محدده لهؤلاء الباعة ، وفي أيام محددة تحت اشراف الأمن الذي يحرس المكان ، ويعرف كذلك ما يباع وما يشترى ، فلا يمكن أن تمنع شيئاً ليس له بديل ، فتكون كمن يمنع الزواج ثم يتحسر على ضياع الأخلاق !..
قصص جديدة:
- قصة إلقاء سيدنا موسى عليه السلام في اليم
- قصة فيلم المبارزة الأخيرة The Last Duel
- قصة بوفيجليا "جزيرة الأشباح الإيطالية"
- قصة الإيثار في معركة اليرموك
- قصة ام مكافحة ذللت ما اعترضها من عقبات
- قصة ام مكافحة في سبيل تربية ابنائها بعد وفاة زوجها
- قصة الجندي الذي نجا من الحرب بفضل جرعة زائدة من المنشطات
- قصة أمثال عربية
- قصة نجاح ميلتون هيرشي ملك الشيكولاتة
- قصة الباب الأخضر