قصة حرب السنوات الأربع

على مدار أربع سنوات متتالية نشبت حرب ضارية لقبت بالحرب البربرية الأولى ، أو حرب طرابلس التي وقعت بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول شمال أفريقيا المعروفة باسم الدول البربرية وهي سلطنة المغرب المستقلة ، ودول الجزائر وتونس وطرابلس ؛ ليبيا حاليًا التي كانت تابعة حينها للحكم العثماني .

وقد أثرت تلك الحرب بأمريكا لدرجة أن نشيد البحرية الأمريكية الذي كان يردد آنذاك لم يتغير حتى وقتنا هذا فما زالوا يرددونه قائلين : (من قاعات مونتيزوما إلى شواطئ طرابلس نحن نحارب معارك بلادنا في الجو والأرض والبحر) .

وتعود أحداث تلك الأزمة إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي حينما بدأت السفن الأمريكية تبحر بحرية في البحار والمحيطات عقب انفصالها عن انجلترا سنة 1776م ، ورفع أعلامها لأول مرة على السفن سنة 1783م ، وفي ذلك الوقت كانت الأساطيل الليبية والجزائرية تعمل على حماية السفن التجارية التي تمر بالبحر المتوسط من القراصنة مقابل ضريبة تدفع لها من قبل السفن الأجنبية .

وقد تعرض بعض البحارة الجزائريون لسفن الولايات المتحدة الأمريكية ، واستطاعوا أسر واحدة منهم عام 1785 ، ثم وسعوا قبضتهم واستولوا على إحدى عشر سفينة أخرى تابعة للولايات المتحدة الأمريكية ، وساقوها قبالة السواحل الجزائرية ، وبسبب عدم قدرة الولايات المتحدة آنذاك على استرداد تلك السفن بالقوة خضعت للصلح بتوقيع معاهدة باللغة التركية مع الجزائر في 5 سبتمبر عام 1795م .

وتلك هي المعاهدة الوحيدة التي كتبت بلغة غير الانجليزية ووقعت عليها أمريكا ، ونصت شروطها على أن تدفع الولايات المتحدة ضريبة سنوية مقابل استرداد أسراها وعدم تعرض البحارة الجزائريين لسفنها ثانية .

وعلى الرغم من التزام ليبيا هي الأخرى بعدم التعرض للسفن الأمريكية إلا أنها لم تحصل على ضريبة مجزية كتلك التي حصل عليها حكام تونس والجزائر ، وقد استغلت انجلترا الأوضاع الاقتصادية السيئة التي كانت تمر بها لبيا للإيقاع بين يوسف باشا القرمنلي الحاكم لليبيا آنذاك وبين أمريكا من خلال التلميح بإعادة النظر في المعاهدة المبرومة سابقًا .

وبالفعل في عام 1801م طلب القرمنلي باشا من الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون  زيادة الضريبة الأمريكية المدفوعة إلى 226.000 دولار سنويًا ، ولكن الرئيس الأمريكي الذي كان يثق في قوته البحرية المنشأة وقتها تجاهل طلب الحاكم الليبي .

فشعر يوسف باشا بالمماطلة الأمريكية في دفع الجزية ، فعمد إلى إهانتهم بتحطيم العلم الأمريكي المرفوع فوق القنصلية الأمريكية بطرابلس ، ونشر قواته البحرية للبحث عن السفن الأمريكية والاستيلاء على ما بها من غنائم ، وكان هذا بمثابة إعلان الحرب الليبية الأمريكية .

بعدها قام القنصل الأمريكي بمقابلة الباشا للاحتجاج على ما فعله الجنود ، والمطالبة بعودة البضائع المسلوبة ، ولكن يبدو أن المقابلة أتت دون جدوى فقد اشتاط القنصل غضبًا فور طرده من البلاد عند تلقيه خطاب الباشا الذي يأمره بذلك ، وخلال عشرة أيام كان القنصل خارج طرابلس هو وأسرته متوجهًا إلى تونس .

أشعلت تصرفات الباشا مشاعر الحقد والكراهية بين الجانبين فأخذ المنادين يجوبون الشوارع لدعوة المسلمين إلى محاربة الصليبين أعداء الدين ، وصدرت الأوامر لقائد الأسطول الأمريكي بإحراق وتدمير أكبر عدد من سفن طرابلس الموجودة في عرض البحر .

وفي يوليو عام 1801م بعثت الولايات المتحدة أسطولًا حربيًا مكون من مدمرتين هما فيلادلفيا وبريزيدنت  كل واحدة منهما كانت مزودة بـ 44 مدفع ، وكان برفتهما سفينتان حربيتان على كل منهما 32 مدفع ، وبعد ذلك توالت الإمدادات وأمر الرئيس الأمريكي عام 1803م قواته بحصار طرابلس وقصفها.

ولكن في أواخر أكتوبر عام 1803م تمكنت البحرية الليبية من أسرة المدرة فيلادلفيا وأخذها لميناء طرابلس ، وأسر 308 بحار أمريكي كانوا على متنها وعلى رأسهم الكابتن بينبريدج  ولما عجز الأمريكان عن استرداد المدمرة تسللوا إليها وقاموا بنسفها حتى لا يفرح الليبيون بمثل تلك الغنيمة ، وقد كان لحادث أسر فيلادلفينا أثر كبير على نفوس القوات البحرية الأمريكية .

حاولت الولايات المتحدة إقناع  أحمد باشا القرمنلي شقيق يوسف باشا ، بالتحالف معه مقابل توليته عرش طرابلس خاصة بعد أن أقصاه أخيه الأصغر وأبعده عن الحكم ، وأغرته أمريكا بالمال والنساء ليلعب دور العميل ، ولكن رغم اجتياح الولايات المتحدة شرق ليبيا واحتلالها مدينة درنة إلا أنها هزمت هزيمة نكراء على يد يوسف باشا وحلفاؤه من البربر .

وتم توقيع معاهدة لإنهاء الحرب في العاشر من يونيه عام 1805م ، لتدم الحرب بذلك أربع سنوات بين الطرفين ، وقد عرفت باتفاقيه طرابلس والتي نصت على أن تدفع الولايات المتحدة الأمريكية غرامات مالية قدرها ثلاث ملايين دولار من الذهب الخالص وضريبة سنوية تقدر بـ 20 ألف دولار.

وقد استمرت الولايات المتحدة في دفع تلك الضريبة حتى عام 1812م خوفًا على سفنها من القرصنة والسلب حيث قام القنصل الأمريكي بتركيا بتسديد مبلغ 62 ألف دولار من الذهبً ، وكانت تلك هي المرة الأخيرة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *