قصة أزمة الصحراء الغربية

تعد أزمة الصحراء الغربية من أقدم النزاعات التي خلفها الاستعمار في القارة الإفريقية ، تبلغ مساحة إقليم الصحراء الغربية 266 ألف كم مربع ، وهو إقليم صحراوي يطل على ساحل المحيط الأطلنطي ، ويعد من الأقاليم الهامة ويمثل عمق استراتيجي للمغرب لأنه يواجه جزر كناريا التي تسيطر عليها أسبانيا ، كما أنه يمثل عمق لموريتانيا وهو أقصر الطرق التي تصل دولة الجزائر بالمحيط الاطلنطي وبالعالم الخارجي .

كما أن سكان الإقليم خليط من البربر والعرب ويعملون بالزراعة ورعي الأغنام وسكان الساحل يعملون بمهنة الصيد ، ويمر بالإقليم طرق تجارية هامة تربط شمال افريقيا بالأقاليم الداخلية ، كما أن المنطقة تتميز بغناها بالمعادن كالنحاس واليورانيوم والكروم والمنجنيز والحديد والفوسفات .

وتعتمد المغرب على حقها التاريخي بالإقليم ، لأن الصحراء كانت تحت إشراف الملوك المغاربة الذين كانوا يعينون حكام الأقاليم من أجل فض النزاعات ، وعلى الجانب الأخر ترى موريتانيا أنه منذ القرن الحادي عشر الميلادي وكانت الصحراء تعرف باسم شنقيط ، التي كانت نواة دولة المرابطين التي أخضعت المغربين الأقصى والأوسط ، وامتد نفوذها إلى الأندلس .

ولكن تعود الجذور التاريخية لأزمة مشكلة الصحراء الغربية إلى بداية عهد الاستعمار الأسباني ، فخلال حركة الكشوف الجغرافية بنهاية القرن الخامس عشر وبداية القرن السادس عشر ، بدأ النشاط الاحتلالي لجزر كناريا وبالتحديد عام 1476م ، وتلى ذلك انقضاضهم على سواحل إفريقيا ، مما أدى لحدوث صدام مع الدولة العثمانية ، والتي قد بدأت في التوسع بالعالم العربي ، ولذلك فضلت أسبانيا التفرغ لاستكمال نشاطها الاكتشافي لتكوين الامبراطورية الإسبانية .

وبعد ذلك عاودت أسبانيا اهتمامها بالنشاط الإفريقي حيث أستولت على مدينة أفنى على سواحل الاطلنطي والتي تواجه جزر كناريا ، وقامت ببناء حصن حول المدينة ، واستمر الوضع حتى نجحت في عقد اتفاق مع المغرب بخصوص السيادة الأسبانية على المدينة والتي ظلت اسمية لعام 1934م.

وقامت أسبانيا ببسط سيطرتها على المنطقة الساحلية المواجهة لجزر الكناريا وأطلقت عليها الصحراء الأسبانية ، وقامت بتقسيم الإقليم إداريًا لقسمين ، اطلقت على القسم الأول اسم الساقية الحمراء ، كانت أهم مدنه العاصمة مدينة العيون ، والقسم الجنوبي أطلقت عليه نهر الذهب وكانت أهم مدنه فيلاسيزنيروس .

وعندما منحت فرنسا المغرب استقلالها بعد عزل السلطان محمد بن عرفه وإعادة السلطان محمد الخامس ، والذي كان قد نفي عام 1953م ، مما أدى لتحرج موقف أسبانيا لوجودها في الريف بناءً على إتفاق مع فرنسا عند احتلالها عام 1912م مما أدى لخضوع اسبانيا للأمر وقامت بإنهاء الحماية الأسبانية على المنطقة الشمالية للمغرب عام 1956م وتم إلغاء الإدارة الدولية لطنجة وإعادة السيادة المغربية من أول يناير عام 1957م .

ساهمت كل تلك التطورات بإحراج الوجود الأسباني في كل من الصحراء الغربية ومدينة أفنى ولكن مع ظهور أهمية المنطقة واكتشاف المعادن بها في مطلع الستينيات ، قررت أسبانيا فصل أفنى وتعزيز وجودها العسكري بالصحراء الغربية ، وإنشاء عدة مراكز عسكرية ، وقامت بإدخال عدد من الإصلاحات بالإقليم .

وبدأت المغرب بالمطالبة بانسحاب أسبانيا من أفنى والصحراء ، مع مساندة من الجانب العربي والإفريقي والمنطقة الدولة ، قامت الأمم المتحدة بإصدار قرار بأحقية العرب بمدينة أفنى ، وتم تسليمها للمغرب عام 1969م ولكن أصرت أسبانيا بالاحتفاظ بالصحراء الغربية ، وعملت أسبانيا على خلق حزب موالي بالمنطقة من رؤساء القبائل ودعتهم لزيارة أسبانيا .

وقامت المغرب بإرسال وفد لمدريد للتوصل لحل لأزمة الصحراء الغربية ، وطالبت الأمم المتحدة عام 1974م الإجابة على سؤالين هما : هل الصحراء الغربية أرض لا مالك لها قبل الوجود الأسباني ، وما هي طبيعة العلاقة التي كانت تربط هذا الإقليم مع المغرب وموريتانيا قبل الاحتلال الأسباني ؟

وجاء رد المحكمة ليؤكد حق كل من المغرب وموريتانيا بالصحراء ، وتوصلت الحكومة الأسبانية عام 1975م إلى اتفاق مع المغرب وموريتانيا يقضى باقتسام الدولتين لإقليم الصحراء ، وقامت القوات المغربية بالزحف شمالًا لضمان القاعدة الجوية بالعيون والمطار الدولي ، ووضعت موريتانيا يدها على الجزء الجنوبي في مدينة فيلاسيزنيروس ، وتم توقيع اتفاق عام 1976م لتعين الحدود بين الدولتين .

وتم دخول منطقة الفوسفات تحت السيادة المغربية ، وميناء فيلاسيزنيروس تحت سيادة موريتانيا بذلك كسبت مصائد الأسماك ، ولكن هذا الاتفاق فجر المشكلة الحالية ، انتقل عدد من سكان الصحراء للجزائر وسمحت لهم الجزائر بخيام ، وفي يوم 27 فبراير عام 1976م أعلنوا قيام الجمهورية العربية الصحراوية وتم تعيين محمد بن عبدالعزيز رئيسًا لها ، وتعقدت المشكلة مع اعتراف عدد من الدول الإفريقية بها .

وبدأت المواجهات المسلحة والصدام العسكري ، ركز البوليزاريو هجومهم على موريتانيا لأنها الدولة الأضعف وضربوا مناجم الحديد ، وفرضت الحكومة الضرائب على الشعب ، ومازالت المشكلة مشتعلة تبحث عن حل نهائي لها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *