قصة نجاح الزوجين بيير وماري كوري

قد يجمع العلم بين زوجين ويكرسا حياتهما من أجله ، وهذا ما تحقق لعدد من الأزواج الحاصلين على أرقى الدرجات العلمية ، بل حتى حصل البعض منهم على جائزة نوبل ، ومن بين هؤلاء نسرد قصة الزوجين بيير وماري كوري حيث جمعهما العلم والنجاح سويًا.

بيير كوري :
ولد بيير كوري في باريس عام 1859م ، وكان قد بدأ تعليمه منذ الصغر في المنزل مع والدته ، حيث لم يكن التعليم إلزاميًا في ذلك الوقت ، وبدأ بيير تعليمه باكرًا فكانت عائلته معتادة على التجوال بالقرى والضواحي ، أيام الأحد ، فبدأ بيير في التنقل مع والده والذي كان يعمل طبيبًا آنذاك ، وبدأ بيير في التعلم من خلال جولاته بالبوادي ، حيث جمع أسماء النباتات والحيوانات وخلافه.

ماري كوري :
ولدت ماري سكووددوفسكا الشهيرة باماري كوري عام 1867م ، في مدينة وارسو البولندية ، وظلت بها حتى بلغت من العمر الرابعة والعشرين عامًا ، وبحلول عام 1891م ، لحقت ماري بشقيقتها برونسوافا إلى باريس من أجل استكمال دراستها.

لقاء الزوجين :
قضى كل من الباحثين بيير كوري ، وماري سكووددوفسكا أكثر من عام ، وهما يعملان بأحد معامل باريس ، وبحللو عام 1894م قرر بيير التقدم أخيرًا للزواج منها ، إلا أن الباحثة البولندية ماري كانت قد أرادت أن تستكمل رحلتها ، وتعود إلى موطنها الأصلي في وارسو .

تقدمت ماري سكووددوفسكا بورقة بحثية إلى جامعة كراكوف ، من أجل استكمال أبحاثها إلا أن التحيز السائد بالمجتمع في هذا الوقت ، رفض بأن يعترف بورقة بحثية تقدمت بها امرأة. ولم تدرك الجامعة أنها بذلك ترفض ورقة بحثية لسيدة سوف تحصل فيما بعد على جائزتي نوبل ، فلم يكن هناك من يقرأ الغيب بالطبع.

هنا قام بيير بإقناعها بالعودة إلى باريس عقب هذا الرفض ، وأكد لها في خطاب له بأنه يعمل في هذا الوقت على دراسة في المجال المغناطيسي ، ودعاها للعمل معه عليها ، بالطبع امرأة مثل ماري متعطشة للعلم والبحوث ، أثار هذا العرض شغفها وقامت بالانتقال مرة أخرى إلى فرنسا ، حيث بدأت دراستها بشأن الأشعة المنبعثة من اليورانيوم الخام ، وعملت عليها مع بيير كوري حتى اكتشف كلاهما مع الكثير من العمل على تلك الأطروحة ، للنشاط الإشعاعي الذاتي ، وتزوجا في عام 1895م في بلدة فرنسية صغيرة تدعى ساو.

المزيد من العمل والنجاح :
قام الزوجيان باستكمال أبحاثهما في غرفة سيئة التهوية ، ولم يدركا جيدًا مخاطر هذا التعرض المستمر للإشعاع في مكان سيء التهوية مثل هذا ، وبحلول عام 1898م أعلن الزوجان اكتشافهما لعنصرين جديدين هما لبولينيوم وقد تم تسميته هكذا نسبة إلى مسقط رأس ماري في بولندا ، وعنصر الراديوم  .

ورغم ذلك استمر كلاهما في العمل على هذين العنصرين لأربعة أعوام أخرى من أجل إثبات وجودهما ، وفي عام 1903م حصل كلاهما على جائزة نوبل في الفيزياء مناصفة مع الفيزيائي هنري بيكريل ، وبالتالي أصبحت ماري كوري هي أول امرأة تحصل على جائزة نوبل.

الجائزة الثانية :
تسلّم الزوجين لجائزة نوبل ، جعلهما محط أنظار لوسائل الإعلام ، وذلك نظرًا لكثرة التطلعات نحو مجال النشاط الإشعاعي في هذا الوقت ، واستمر الأمر هكذا إلى أن توفى بيير عام 1906م عقب أن دهسته سيارة يجرها حصان ، وبحلول عام 1911م انتشرت بعد الأخبار عن علاقة تجمع بين ماري كوري والفيزيائي بول إنجينيفن وهو أحد طلاب بيير.

ظلت المجلات والصحف تنشر أخبارًا وشائعات عدة حول علاقة ماري وبول ، وصورت العالمة الفيزيائية بأنها يهودية بولندية أتت لهدم المنازل فوق رؤوس أصحابها ، وأثناء تلك الأخبار المتناثرة كانت ماري في بلجيكا لحضور مؤتمرًا وفي طريق عودتها للمنزل برفقة بناتها ، وجدت تجمهرًا غاضبًا أمامه ، فآثرت المبيت لدى إحدى صديقاتها وطلب الحماية.

مع تردد تلك الأخبار وتناثرها هنا وهناك ، لم تتأثر بتلك الفضائح قرارات الأكاديمية السويدية ، وحصلت ماري كوري على جائزتها الثانية لنوبل في الكيمياء هذه المرة ، وذلك إثر أبحاثُا أجرتها في تخصص الإشعاعات ومركباتها.

الوفاة :
توفت ماري كوري عام 1934م ، عندما ذهبت لزيارة إلى موطنها الأصلي بولندا وكانت تلك هي المرة الأخيرة في حياتها ، حيث لقيت ماري مصرعها بعد تلك الزيارة بشهرين فقط في مصحة تدعى في مصحة سانسيلموز في باسي بإقليم سافوا العليا شرق فرنسا ، حيث خضعت ماري لعلاج من فقر الدم اللاتناسجي ، والذي من المرجح أن تكون قد أصيبت به جراء تعرضها لكميات إشعاعية ضارة طوال حياتها العلمية .

فلم تكن الأضرار الكارثية للتعرض للأشعة قد عرف بعد في هذا الوقت ، وكان العلماء يتعاملون معها دون أية إجراءات احترازية ، فلطالما حملت كوري العديد من اختبارات نظائر الأشعة بيديها ، أو وضعتها في مكتبها دون إدراك كاف لمخاطرها.

تم دفن ماري كوري إلى جوار زوجها في  مقبر ساو ، وبحلول عام 1995م تم نقل رفاتهما معًا إلى البانتيون في فرنسا كأحد أنواع التكريم لهما ، وبذلك تكون ماري كوري هي أول امرأة تكرّم بتلك الطريقة في التاريخ ، وتم حفظ معلمها في متحف سمي بمتحف كوري .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *