قصة نجم الأدمغة الإلكترونية

تعتمد نظرية النجاح في عالم الأعمال على المجيء بفكرة عبقرية لامعة لم يسبقك إليها أحد ، ومن بعدها تضع خطة عمل محكمة قابلة للتحقيق ، ومن ثم تبحث عن الممولين وتضع نسبة تقسيم عادلة للأرباح والخسائر وتتوكل على الله وتجتهد ، وهذه هي نظرية أكاديمية بحتة ، وهي إن تحققت في كثير من الأحيان إلا أن لكل نظرية شواذها ، واليوم سوف نتحدث عن ذلك من خلال قصة العبقري السابق لأوانه فيليب الفرنسي .

ولد فيليب في عام 1952م ، وكان عبقري سابق لزمانه حيث أبدع وأشهر شركة بورلاند لبرامج الحاسوب ، كانت تلك الشركة التي خرج الرعيل الأول من المبرمجين العرب يتعلمون على برامجها كيفية البرمجة بلغتي البرمجة التيربو باسكال وتيربو سي ودلفي ومنها إلى برامج إدارة قواعد البيانات باردوكس وغيرها الكثير .

وقد حصل فيليب على درجة الدكتوراه في الرياضيات من الأكاديمية الفرنسية للعلوم ، وعمل بالتدريس لفترة قصيرة بعد التخرج ، ثم تعلم لغة البرمجة باسكال مباشرة على يد مخترعها في مدينة زيورخ ، وقد دخل فيليب معترك العمل في مجال تقنية المعلومات قبل نشأتها في منتصف السبعينيات وذلك حينما عمل كمبرمج في فرنسا على جهاز اسمه ميكرال ، ويقول عنه المؤرخون أنه كان من إرهاصات نشأة المايكرو كمبيوتر أو الكمبيوتر الشخصي الصغير .

سافر فيليب إلى الولايات المتحدة الأمريكية في زيارة أراد منها العمل هناك ، فكانت أول وظيفة له في معامل شركة هيولت باكرد لكن هذه الوظيفة لم تستمر سوى ثلاثة أيام فقط ، وذلك بعد أن اكتشفت الشركة أنه جاء للبلاد بفيزا زيارة ولهذا السبب لا يستطيعون تعيينه بدوام كامل ، لكنهم فكروا في الاستعانة به كخبير فني ووافق فيليب على هذا الأمر.

أسس فيليب شركة استشارات فنية أسماها ماركت إن تايم ، وقد حملت الحروف الثلاثة الأولى ام آى تي وبذلك تشابهت مع معهد ماساتوس التقني الأشهر على مستوى العالم ، ولذلك لم ينل اسم شركته رضا المسئولين فى هذا المعهد الشهير ، وقاموا بإرسال رسالة شديدة اللهجة لشركة فيليب يطلبون فيها تغيير اسمه ويتصادف في ذلك الوقت أن ينتهي فيليب من مشروع طلبته شركة أيرلندية حملت اسم بورلاند .

ولكن لسوء الحظ أفلست هذه الشركة تاركة بعد إنشائها بثلاثة أعوام وتراكمت عليها ديون كثيرة فاشتراها فيليب عام 1983م مقابل أن ينسى ديونها التي لم تسدد له وأن يحصل على اسمها التجاري وجميع أصولها وممتلكاتها .

لاحظ فيليب أن الجميع يركز في مجال تطبيقات المحاسبة والكتابة ويتركون مجال البرمجة خاليًا ، ولهذا أراد أن يغطي مجال البرمجة بلغة باسكال على حواسب آي بي ام الشهيرة .

وبالرغم من صعوبة تطبيق تلك الفكرة في هذا الوقت إلا أنه في عام 1983م أطلق فيليب لغة البرمجة تيربو باسكال بمجهود أربعة مبرمجين فقط ، وسهر فيليب الليالى الطوال ليضع تصميم أول إعلان للغة البرمجة تيربو باسكال واستخدم خدعة عندما دعا مسئول بيع الإعلانات في مجلة تهتم بشؤن الحواسيب ، والخدعة في تظاهر فيليب أن لديه عروض إعلانات من مجلات أخرى ، فما كان من المسئول في المجلة إلا أن ينشر له إعلانه .

وبعدما أقام فيليب مؤتمرًا صحفيًا في مطعم ماكدونالز الشهير والذي كان أمرًا لم تستنهجه الصحافة مما جعلهم يتحدثون عن ما تم في مؤتمره وامتلأت الصحف بأخباره ، حتى أقبل الناس بجنون على لغة البرمجة الجديدة وفي خلال سنتين باعت شركته بورلاند 300 ألف نسخة من تيربو باسكال وزاد عدد موظفيها إلى أن وصلوا لـ100 موظف .

ولم تصفو الدنيا لفيليب العبقري فبالرغم مما وصل إليه من نجاحات إلا أنه تم الاستغناء عن خدماته بعد 12 سنة عمل فيهم مديرًا ، وكان ذلك في عام 1994م عندما قرر مجلس المساهمين ذلك لما حدث للشركة  بورلاند من خسائر كبيرة .

ولكن الفشل لم ينل منه ، فقد استمر فيليب في دربه وأسس شركة أخرى أسماها ستار فيش ، للبرمجيات المتخصصة في التطبيقات اللاسلكية لنقل وتبادل المعلومات .

وحينما رزق فيليب بإبنته صوفي ، أراد هو وزوجته أن يتناقلا صورهم مع جميلتهم الصغيرة عبر الهاتف النقال وليس الكمبيوتر فقط ، ومن هنا كانت لحظة ميلاد فكرة تبادل الصور عبر الهواتف النقالة وكانت أيضًا ميلاد لشركته الثالثة ، ففي عام 1997م استطاع فيليب أن ينهي النموذج التجريبي للهاتف النقال ذي الكاميرا الرقمية .

لم يكن فيليب ناجحًا على الدوام فقد ارتكب العديد من الأخطاء في الإدارة ولكنه فى العموم أضاف الكثير والكثير في عالم البرمجيات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *