قصة حب دامية

من أعجب قصص الشعر والحب التي قد تسمعها في حياتك تلك القصة ، فهي قصة الحب الذي يدمي الفؤاد ، ويبلي الجسد قصة تجسد معنى ومن الحب ما قتل ، قصة الشوق الذي تعالى فوق كل شيء إلا دين النبي محمدا  .

قصة لشاعر مسلم يدعى بشر الأسيدي عشقته امرأة متزوجة تدعى هند ، كانت من فواضل النساء حسنًا وجمالًا في عصرها ، وكأني فيهم أرى قصة يوسف الصديق عليه السلام وزليخة تعاد من جديد.

كان بشر يمر كل يوم بدارها قاصدًا رسول الله صلّ الله عليه وسلم ، وكانت تخطف النظر إليه من شرفتها ، وهو لا يدري بأمرها شيئًا ، ولا يتطلع لحرمات البيوت ، ظلت هند على هذا الحال حتى أدمنت رؤياه ، فكان كلما مر من أمام دارها ، اضطرب كل جسدها إلا النظرة الثابتة على وجهه ، فكانت تناجي نفسها وتقول

أهواكَ يا بشرُ دون الناس كلهم
وغيركَ يهواني فيمنَعُهُ صدّي
تمرُّ ببابي لست تعرفُ ما الذي
أكابدُ من شوقي إليكَ ومن بُعدي
فياليتني أرضٌ وأنتَ أمامها
تدوسُ بنعليك الكرامِ على خدّي
ويا ليتني نعلاً أقيكَ من الحَفَا
ويا ليتني ثوباً أقيكَ من البَرْدِ
تباتُ خليَّ البالِ من ألمِ الجَوَى
وقلبي كواهُ الحبُّ من شدّةِ الوجدِ
وإنك إن قصَّرت عني ولم تزر
فلابُدَّ بعدَ الصدِّ أدفن في لحدي

ولما تجاوز الحب كل حد في قلب هند تحولت المناجاة مع النفس إلى رسائل تبعث للفتي ، تدون فيها ما يعتمر بقلبها ، علها في الغرام يرضى ويُقبل ، فسارت جارية هند إليه بكتاب منه ، ولما سألها بشر عن حاجتها أخبرته بأنها جارية السيدة هند ، وقد أتت منها برسالة ، فقرأها وفهم معناها ثم التفت إليها يسألها إن كانت سيدتها عذراء أو ذات بعل ؟ فأخبرته أنها متزوجة وزجها موجود بالمدينة ، فرد عليها بشر كما يرد الرجل المؤمن الذي يصون عرض أخيه ، ودعاها للاعتصام بكلام الله قائلًا في كتاب أرسله مع الجارية :

عليكِ بتقوى الله والصَّبر إنّه
نهى عن فجور بالنساءِ مُوَحّدُ
وصبراً لأمرِ الله لا تقربي الذي
نهَى الهُ عنه والنبيّ محمدُ
فلا تطمعي في أن أزوركِ طائعاً
وأنت لغيري بالخناءِ معوّدُ

ولما سلمت الجارية الكتاب إلى سيدتها عزت عليها نفسها كثيرًا وبكت بكاءً مرًا وكتبت له :

أما تخش يا بشر الإله فإنني لفي
حسرةٍ من لوعتي وتسهدي
فإن زرتني يا بشر أحييتَ مهجتي
وربي غفورٌ بالعطا باسطُ اليدِ

ومرة أخرى عادت إليه الجارية برسالة تدمي القلب ، وتحرق الفؤاد ، فصعب على بشر ما
هي فيه فكتب لها هذه الأبيات :

أيا هند هذا لا يليقُ بمسلمٍ
ومسلمةٌ في عصَمة الزوج فابعدي
أما تعلمي أن السَفاح محرّمٌ
فحولي عن الفحشاءِ والعيبِ وارتدي
بهذا نهى دين النبيِّ محمدٍ
فتوبي إلى مولاكِ يا هندُ ترشدي

لكن الكلمات كلها لم تكن لتكفيها في إيقاف ذلك التيار الجارف في قلبها تجاه بشر ، وكل العادات والقوانين ما كانت لتثنيها عما تحاول فعله. ولكن المؤمن القوي لم ييأس بل دأب
على مراسلتها ليهديها فكتب :

إن الذي منع الزيارة فاعلمي
خوف الفساد عليك أن لا تعتدي
وأخافُ أن يهواكِ قلبي في الهوى
فأكون قد خالفتُ دينَ محمدِ

فلما وصلها هذا الكتاب أصابها اليأس ومرضت فكتبت إليه تقول :

أيا بشر ما أقسى فؤادَك في الهوى
ما هكذا الحبُ في مذهبِ الإسلامِ
إني بُليت وقد تجافاني الصفا
فارحم خضوعي ثم زد بسلامِ
ضاقت قراطيسُ التراسل بيننا
جفّ المدادُ وحفيت الأقلامُ

فلما قرأ بشر هذه الأبيات أجابها بقوله :

لا والذي رفعَ السماءَ بأمره
ودحى بساط الأرض باستحكامِ
وهو الذي بعثَ النبي محمداً
بشريعة الإيمان والإسلامِ
لم أعصِ ربي في هواك وإنني
لمطهر من سائر الآثامِ

ومن بعدها حلف بشر أن لا يمر ثانية من أمام دارها ولا يقرأ لها كتاباً ، فلما طالت غيبته كتبت له تدعي عليه أن يذيقه الله مما أذاقها ، فقالت :

سألت ربي فقد أصبحتَ لي شجناً
أن تُبتلى بهوى من لا يُباليكا
حتى تذوقَ الذي ذقتُ من نَصَبٍ
وتطلب الوصل ممن لا يواتيكا
وتشتكي محنة في الحب نازلة
وتطلب الماء ممن ليس يسقيكَ
بلاك ربي بأمراض مسلسلةٍ
وبامتناع طبيب لا يداويكَ
ولا سروراً ولا يوماً ترى فرحاً
وكل ضرٍ من الرحمن يبليكَ

فذهبت وصيفتها إلى بشر تخبره بما كتبت ولكنها رفض سماعها ، فكتبت له :

شئكفّر يمينك أن الذنبَ مغفورُ
وأعلم بأنك أن كفّرت مأجورُ
لا تطردنّ رسولي وارثينّ له
إن الرسولَ قليلُ الذنبِ مأمورُ
واعلم بأني أبيتُ الليلَ ساهرةً
ودمع عيني على خديَّ محدورُ
أدعوه باسمِكَ في كربٍ وفي تعبٍ
وأنت لاهٍ قريرُ العين مسرورُ

وخاف بشر على نفسه من الفضيحة والضعف أمامها ، فارتحل إلى بطحاء تراب ليلاً ، وعلمت جارية هند بأمره فأعلمت سيدتها ، فاشتد عليها  المرض حتى لزمت الفراش فبعث زوجها إلى الأطباء فقالت له : لا تبعث إليّ طبيباً فإني أعرف دائي ، قهرني جني في مغتسلي ، وقال لي : دعي هذه الدار فليس لك في جوارنا خير.

فأجابها الزوج إلى طلبها قائلًا : ما أهون هذا فقالت هند : إني رأيت في منامي أن أسكن بطحاء تراب فقال لها : اسكني بنا حيث شئت ، فاتخذت ببطحاء دارًا على طريق بشر ، وجعلت تنظر إليه كلما مر دون أن يعرف بوجودها ، حتى برئت من مرضها ، فكأنما في رؤيته كان الشفاء ، وعادت هند إلى حسنها وبهائها حتى ظن زوجها أنها قريبة من الله حيث ألهمها بسكن بطحاء ، فلم يكن يدري بأمر بشر.

وكانت مع هند في الدار امرأة عجوز فأفشت إليها سرها وشكت إليها لوعة الحب والابتلاء به وأخبرتها أنها خائفة أن يعلم بشر بأمر وجودها فيترك طريقها ويأخذ طريقاً آخر ، فقالت لها العجوز : لا تخافي ولا تقلقي فإني سأطلع أمر الفتى كله وإن شئت أقعدتك معه دون أن يشعر بوجودك ، فتهللت هند ومنت نفسها بوصل بشر ، ولما همّت العجوز بالانصراف عنها  قالت لها هند :

ساعديني واكشفي عني الكروب
ثم نوحي عند نوحي يا جنوبْ
واندبي حظي ونوحي علناً
إن حاليَ بَعْده شيءٌ غريبْ
ما رأت مثلي زليخا يوسفٍ
لا ولا يعقوب بالحزنِ العجيبْ

وجلست العجوز يومًا على باب الدار حتى أقبل بشر فسألته أن يكتب لها رسالة لابنها في العراق ، فقعد وراحت تملي عليه ما يكتب وهند تسمع حديثهما من وراء حجاب ، فلما فرغ قالت له العجوز : يا فتى ، إني أراك مسحوراً فقال لها : ما أعلمك بذلك ؟

فأجابته : أنا متيقنة مما أقول ، فانصرف عني اليوم حتى أنظر في أمرك ، وأخبرك بما يكون ، ثم دخلت إلى هند تبشرها قائلة : إني أراه فتى حدثاً ولا قربة له بالنساء ، فإن زيّنتك وطيّبتك وأدخلتك عليه متى جاء غلبت شهوته وهواه تمسكه بدين السماء .

وفي مرة دعته العجوز لتنظر له في نجمه وتعرف طالعه ، وكانت قد أعلمت هند بموعد مجيئه ، فلما أدخلته الدار أغلقت عليه الباب ولم يشعر بنفسه إلا وأمامه امرأة حسناء كأنها البدر وقد ارتمت عليه وأخذته إليها وهي تقول:

يا بشر واصلني وكنْ بي لطيفاً
إني رأيتك بالكمالِ ظريفا
وانظر إلى جسمي وما قد حلّ بي
فتراه صار من الغرام نحيفا

فلما رآها راعه جمالها ، وفتن بها ، وعلم بفطنته أنها هند التي هجر مكانه من أجلها ، وأنشد قائلًا :

ليس المليحُ بكاملٍ في حسنهِ
حتى يكونُ عن الحرامِ عفيفَا
فإذا تجنب عن معاصي ربه
فهنالك يدعى عاشقا وظريفا

وفي هذه اللحظة جاء زوج هند في غير موعده ،  فوجد مع امرأته رجلاً في
البيت فطلقها ، وطوق بشر وجره إلى حيث رسول الله ، فبكى بشر أمام الرسول صلّ الله عليه وسلم ، وحلف بأنه لم يأتي بسوء قط ، فما كذب الرسول منذ صدقه ، وما كفر بدين الله منذ آمن به وقص على النبي قصته منذ بدايتها ، فبعث النبي إلى العجوز وهند ، فأقرتا بما قاله بشر ، فقال الرسول صّل الله عليه وسلم : الحمد لله الذي جعل من أمتي نظير يوسف الصديق ، وأدب العجوز وأعاد هند إلى منزلها.

بعد هذه الحادثة اشتعل فتيل الحب بقلب بشر ، وانتظر انتهاء عدة هند لكي بخطبها ، ولكنها رفضت أن تتزوجه بعد أن فضح أمرها عند رسول الله ، فجاءها رسول من أهله يحمل رسالة منه ، ويعلمها بأنه طريح الفراش وقد يموت إن لم ترض به ، ولكن كرامتها كانت أقوى هذه المرة فقالت : أمرضه الله لطالما أمرضني وقرأت رسالة بشر فوجدته يقول :

أرى القلب بعد الصبر أضحى مضيّعا
وأبقيت مالي في هواك مضيّعا
فلا تبخلي يا هندُ بالوصل وارحمي
أسير هوى بالحبِ صارَ مَضْيّعَا
ولما أنهت قراءة الأبيات كتبت تحتها:
أتطلب يا غدَّار وصلي بعدما
أسأت ووصلي منك أضحى مضيّعَا
ولما رجوتُ الوصلَ منك قطعته
وأسقيتني كأساً من الحزن مُتْرَعا
واخجلتني عند النبي محمد
فكادت عيوني أن تسيل وتطلعا

ولما قرأ بشر هذه الأبيات زادت لوعته ، واختنق قلبه فكتب إليها:

سلام الله من بعد البعاد
على الشمس المنيرةِ في البلادِ
سلام الله يا هندُ عليك
ورحمته إلى ييومِ التنادي
وحقِّ الله لا ينساك قلبي
إلى يوم القيامةِ يا مرادي
فرقّي وارحمي مضنى كَئيباً
فبشر صار ملقى في الوسادِ
فداوي سقمه بالقرب يوماً
فقلبي ذابَ من ألم البعادِ

لكن جرح هند لم يندمل فكان أكبر من أن تداويه الكلمات  وفضيحتها كانت أكبر من أن تخفيها العبرات ، وردت عليه تقول:

سلامُ الله من شمسِ البلادِ
على الصبَّ الموسد في المهادِ
فإن ترجُ الوصال وتشتهيه
فأنت من الوصالِ على بعادِ
فلست بنائلٍ منّي وصالاً
ولا يدنو بياضك من سوادي
ولا تبلغ مرادك من وصالي
إلى يوم القيامةِ والتنادي

وهنا فقد بشر كل أمل مع وصول هذا الكتاب فامتنع عن الطعام والشراب حتى اشتدت عليه العلل وكانت له أخت ترسى لحاله طلب منها أن تحضر هند ، ولما علمت هند بأنه على شفا حفرة من الموت سارت معها إليه فإذا به  يقول :

إلهي إني قد بُليت من الهوى
وأصبحتُ ياذا العرش في أشغل الشغلِ
أكابد نفساً قد تولّى بها الهوى
وقد ملّ إخواني وقد ملّني أهلي
وقد أيقنتْ نفسي بأني هالكٌ
بهندٍ وأني قد وهبتُ لها قتلي
وأني وإن كانت إلي مُسيئة
يشقُّ عليَّ أن تعذّب من أجلي

فبكت هند بحرقة وبكى كل من كان حاضراً معها وأنشدت:

أيا بشر حالك قد فنى جسدي
وألهب النار في جسمي وفي كبدي
وفاض دمعي على الخدين منسكباً
وخانني الدهر فيكم وانقضى رشدي
ما كان قصدي بهذا الحال أنظركم
لا والذي خلقَ الإنسانَ من كمدِ
فما سمع  بشر كلامها أوما إليها وأنشد:
أيا هند إذا مرّت عليك جنازتي
فنوحي بحزنٍ ثم في النوح رنّمي
وقولي إذا مرّت عليك جنازتي
وشيري بعينيك عليَّ وسلّمي
وقولي رعاكَ اللهُ يا ميَّتَ الهوى
وأسكنكَ الفردوسَ إن كنتَ مسلم

وبعدها شهق شهقة وفارقت روحه الجسد فلما رأته راعه منظره ، ارتمت عليه وأنشدت :

أيا عينُ نوحي على بشر بتغرير
ألا ترويه من دمعي بتقديرِ
يا عينُ أبكي من بعد الدموعِ دماً
لأنه كان في الطاعات محبورِ
لفقدِ بشرٍ بكيتُ اليومَ من كمدٍ
لا خير في عيشةٍ تأتي بتكديرِ
ألقاك ربك في الجناتِ في غُرَفٍ
تلقى النعيم بها بالخير موفورِ

ثم ألقت بنفسها عليه ولما حركوها وجدوها هي الأخرى قد ماتت فغسلوهما ودفنوهما .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *