قصة علي بن أبي طالب وأهل الدنيا والآخرة

يظن العديد من البشر أن الرزق هو المال فقط ، ولكن في حقيقة الأمر المال هو جزء من الرزق ، ولكن هناك أرزاق أخرى مثل الصحة ، والولد ، والطعام والبركة ، وكل نعمة من الله عز وجل هي رزق ، فليس المال وحده رزق كبير وإنما يحتاجه العبد فقط للحصول على ضروريات الحياة ، وذلك من أجل الاطمئنان على المستقبل .

ولابد للعبد أن يعلم بأنه مهما كنز من مال ، وحصل عليه فإنه سوف يكون مصيره إلى فراق هذا المال بموته ، وفي هذه اللحظة يكون ما كنزت من المال قد آل إلى ورثتك ، ولا تصحب منه سوى ما أنفقته في سبيل الله ، فهو ما يبقى لك في عالم الخلود.

ولنا الأسوة الحسنة في رسول الله الكريم صل الله عليه وسلم ، حين جاءته شاة كهدية ، فقال للسيدة عائشة أن تتصدق بلحمها ، ولما كانت السيدة عائشة رضي الله عنها ، تعرف أن رسول الله الكريم كان يحب لحم الكتف ، فقامت بالتصدق بلحم الشاة كاملة ، وأبقت على لحم الكتف من أجله ، فقال لها النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، أن ما ظل لديه من الكتف لم يتم التصدق به هو الذي لا يبقى وهو الجزء الفاني ، فما يبقى هو ما خرج صدقة لوجه الله عزوجل.

فمن أحب صحبة ماله في الدنيا والآخرة فعليه أن يتصدق بما يؤتى منه ، ليبارك الله له في الدنيا ، ويجزيه خير الثواب في الآخرة ، وكان الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه ، قد سئل كيف يعرف العبد أنه من أهل الدنيا أو من أهل الآخرة ؛ أخبره سيدنا علي أن ينظر إلى من دخل عليه ، وأيهما يرحب به إذا ما جاءه من يعطيه ، وجاءه من يطلب منه.

فإذا كان ممن يحبون من يأخذ منه ، فكان من أهل الآخرة ، وإذا كان ممن يحبون أن يُعطوا فهو هنا من أهل الدنيا ؛ فمن يأخذ منك يحمل حسناتك إلى الآخرة ، وأما من يعطيك فهو يزيدك قربًا من الآخرة ولا يمنحك شيئًا لآخرتك .

فإذا كنت ممن يحبون المال ، فاجعل حبك له يبقيك بالقرب من الله عزوجل ، ولا يصرفك عنه ، ولا تجعله همك الوحيد فالدنيا ليست هي المقياس لعملك ، فالآخرة أنت خالد فيها ، فإذا ما تصدقت ببعض مالك في الدنيا كان هو خيرك في الآخرة.

وقد لاحظ العلماء أن المال حين يضاف إلى الشخص ، فإنه يعطيه الراحة والاطمئنان ، فيدفعه نحو الحركة تجاه ما يجد إنفاقه والتصدق به للناس ، دون أن يدري بأن صدقته هي الفاعل خلف حركته .

فالله سبحانه وتعالى هو صاحب المال ، وهو من يأتي به ، وذلك بالأسباب التي جعلها للبشر في حركة للحياة ، فإذا ضنّ الناس بالحركة فلن يستفيد غير القادرين على الحركة ، فأراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما يزيد على حاجة الناس ، ملكًا لهم لأن النفس تحب أن تتملك .

فالتملك أمري غريزي في النفس بدليل أن الله سبحانه وتعالى هو من طلب أن يؤخذ من الأموال ، وأوضح أنه يضاعفها ، ومعنى أن تتضاعف الأموال أن الإنسان قد تملّك أموالاً أكثر ، لينفقها في سبيل الله.

ويقول المولى عز وجل في كتابه الكريم ؛ {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا } سورة مريم الآية 76 ، لذا لابد لنا من النظر إلى الباقيات من الأشياء ؛ لأنها هي التي يعوّل عليها ، وهي ما تبقى وتقربنا إلى الله.

ردّ واحد على “قصة علي بن أبي طالب وأهل الدنيا والآخرة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *