قصة الرقص حتى الموت

الرقص أحد أنواع الفنون وأشهرها أيضًا ، ومنذ القدم عرفت شعوب العالم الرقص وتمتعوا به ، وأيضًا خلقوا له طقوسًا خاصة بكل منهم ، فهو ما يعبر عن سعادتهم ويستخدم في المناسبات والاحتفالات السعيدة والمبهجة .

وتم تطويره حاليًا بالعصر الحديث ليصبح رياضة مفيدة يلجأ إليها البعض من أجل الحصول على اللياقة البدنية ، والتمتع بالصحة والرشاقة ، ولكن هل تاريخ الرقص ينعم بالحياة والبهجة فقط ، أم أنه يحمل في طياته العديد من القصص المأساوية أيضًا وتفوح منه رائحة الموت ؟ هل تخيلت يومًا أنك من الممكن أن تبدأ في الرقص دون أن تتوقف ؟

في عام 1518م ، وتحديدًا في إقليم الألزاس والذي كان جزءً من الإمبراطورية الرومانية القديمة آنذاك ، وفي مدينة ستراسبورغ الواقعة في فرنسا ، انتشر هوس مفاجئ بين سكان المدينة فيما عرف باسم طاعون الرقص ، في حالة ملفتة ونادرة كانت أشبه بالهيستيريا الجماعية ، حيث سيطرت على كافة سكان البلدة .

مما دفعهم جميعًا إلى الرقص بشكل جماعي وهيستيري متواصل بلا توقف ، تواصل لعدة أيام متتالية حتى بدؤوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر صرعى ! ، وبدأت تلك القصة الهيستيرية عندما خرجت إحدى السيدات الفرنسيات إلى الشارع ، وهي سيدة تدعى فراو تروفيا وبدأت في وصلة من الرقص المتحمس ، استمر حوالي من أربعة إلى ستة أيام !

تلا ذلك انضمام عددًا من السكان إليها في وصلتها الراقصة عقب أسبوع مما فعلته هي ، حيث انضم إليها ما يقرب من أربعة وثلاثون شخصًا ، وبحلول شهر جديد وصل عدد ضحايا تلك الهيستريا إلى حوالي أربعمائة شخصًا ، ثم بدؤوا يتساقطون واحدًا تلو الآخر ؛ فمنهم من مات إثر أزمة قلبية مفاجئة ، وآخرون توفوا نتيجة الإرهاق أو السكتات الدماغية.

واعتقد الأطباء ممن باشروا الحالات ، أن الوفيات قد حدثت نتيجة فورة الدم الحار في الجسم لدى هؤلاء المرضى ، مما دفعهم إلى نصيحة النبلاء بإقامة مسارح وقاعات يمارس فيها هؤلاء وصلاتهم الراقصة ، وذلك اعتقادًا منهم بأنهم سوف يفرغون ما بهم من كبت ويمارسون رقصاتهم باستمرار فتنطفئ تلك الهيستيريا لديهم ، ولكن للأسف تزايدت الأعداد وتوالت حالات الوفيات لفترة شهرين آخرين.

وجدير بالذكر ، أن هذا الحادث ليس هو الوحيد عبر التاريخ ، فقد تم توثيق حادث آخر كان هو الأكبر والأقدم بين حالات هوس الرقص وهيستيريا الرقص الجماعي الموثقة حتى الآن ، فقد وقعت حادثة أخرى للرقص الجماعي في عام 1020م ، في مدينة برنبرغ  Bernburg ، بدأ فيها ثمانية عشرة من الفلاحين بالغناء المفاجئ والرقص الجماعي  ، حول إحدى الكنائس الشهيرة بالمدينة.

وظهرت حالة مثيلة لتلك في القرن الثالث عشر ، وتحديدًا في عام 1237م حيث بدأ مجموعة كبيرة للغاية من الأطفال بالسفر من مدينة إرفورت ، وحتى مدينة ارنستادت ، في حالة جماعية من الهوس الراقص والغناء طوال الطريق بين المدينتين .

ثم وقع حادث آخر عام 1278م في ألمانيا ، حيث قام أكثر من مائتي شخص بالرقص الهستيري فوق جسر الميز الواقع في ألمانيا ، حتى انهار بهم الجسر جميعًا ، نتيجة الرقص المستمر بلا توقف وبهذه الأعداد الكبيرة ، تم على إثر هذا الحادث نقل كافة المصابين إلى كنيسة القديس فيتوس المجاورة للجسر.

ولم تتوقف تلك الحالات عند هذا الحد ، بل توالت وانتشرت في أكثر من مكان ، حيث انتقلت بين فرنسا وألمانيا وانجلترا وهولندا ، وذلك خلال الفترة من 1373م  وحتى عام 1374م.

قد يبدو الأمر أشبه بالأساطير ولكنها جميعًا حالات موثقة بالفعل ، وليس مجرد حادثًا فريدًا ، ولكن كان حادث ستراسبورغ عام 1518م ، هو الأشهر والأكثر فتكًا حيث راح ضحيته عدد كبير من السكان.

وتباينت الآراء حول الأسباب الكامنة خلف هذا الحدث ، فما الذي يدفع هؤلاء جميعًا على الرقص بتلك الهيستيريا دون توقف قط حتى يأتيهم الموت ! ، ذهب البعض مثل القديس فيتوس الذي شهد إحدى تلك الحالات كما ذكرنا أعلاه ، إلى أن ما حدث كان وباءً أو لعنة ما أصابت المدينة .

خاصة مع انتشار العديد من الأوبئة والأمراض في هذا الوقت ، بينما ذهب آخرون إلى أن ما حدث لم يكن سوى أحد طقوس طائفة دينية ما تحاول أن تعمل على نشر أفكارها بطريقة مختلفة ، إلا أن هذا الرأى قد تم دحضه ؛ معللين ذلك بالخوف والذعر الذي بدا على وجوه من كانوا يرقصون.

وتوالت التفسيرات ، فهناك من ادعى بأن الراقصون قد تعرضوا لحالة من التسمم الجماعي ، أدت إلى هلوسة جماعية ، ولكن تم استبعاد هذا التفسير أيضًا ، فالشخص الذي يعاني من التسمم لن يستطيع الرقص المتواصل بهذا الشكل لعدة أيام متواصلة .

وحتى الآن ، لم يستطيع أحد أن يفسر ما السبب الكامن خلف حالات هوس الرقص أو هيستيريا الرقص التي أصابت مئات الأشخاص بالعديد من المدن ، وظل الأمر مجرد وقائع وأحداث موثقة عبر التاريخ ، علّها تجد من يفسرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *