قصة الدكتور جيكل الحقيقي

أصبح دكتور جيكل أسطورة خيالية باقية ، فهو العالم الوقور في النهار ، الذي يتحول ليلاً إلى وحش منحرف ، والكاتب روبرت لويس ستيفنسون عندما نشر عام 1886م ، الحالة الغريبة للدكتور جيكل والمستر هايد .

كان يستوحى كابوساً رآه في المنام عقب تناوله جرعة مركزة من الدواء ، وكان ستيفنسون قد سمع من مربيته ، منذ طفولته ، قصة ويليام برودي الذي عاش حقيقة قبل مائة عام ، وكان يتحول في الليل إلى لص مجرم ، وقد كتب ستيفنسون بالتعاون مع هنلي عام 1882م ، مسرحية بعنوان ، ديكون بردوي أو الحياة المزدوجة ، فما هي قصة برودي هذا؟

وليام برودي :
ولد وليام برودي عام 1741م ، وكان والده نجار موبيليات ميسور الحال ، وعندما بلغ وليام الأربعين من عمره أصبح رئيس نقابة النجارين ، وعضواً بلدياً كبير النفوذ ، بيد أنه كانت لبرودي أيضاً حياته السرية ، كان عازباً ينفق على عشيقتين وخمسة أبناء غير شرعيين ، وكان مقامراً كبيراً يهوى كذلك المراهنة على صراع الديكة ، لكن فساده تعدى هذه الحدود بكثير ، إذا كان يقف أيضاً خلف السرقات التي انتشرت فجأة في أدنبرة صيف 1786م .

بداية جرائم السرقات :
بدأت عمليات السطو في إحدى ليالي شهر أغسطس ، عندما تم سرقة 800 جنيه إسترليني من أحد البنوك ، وقد أعقب ذلك موجة من سرقة المحلات التجارية ، وحتى جامعة أندبرة المشهورة لم تسلم من السرقة ، حيث سرق من مكتبتها ذات ليلة صولجان فضي أثري ، يرجع تاريخه إلى ما قبل 300 سنة .

بداية كشف منفذي الجرائم :
استمرت موجة السرقات حتى مساء يوم 8 مارس 1788م ، عندما ارتكبت العصابة خطأها المميت بمحاولة السطو على المكتب الرئيس للضرائب في اسكتلندا ، في تلك الليلة عاد المحامي جيمس بونار إلى المكتب لأخذ بعض الأوراق ، ففوجئ بوجود شخص في أحد الممرات يرتدي معطفاً أسوداً وقبعة سوداء ، وبعد لحظات سمع صفيراً أعقبه خروج شخصين من المبنى .

اعتراف أحد الجناة :
وفي اليوم التالي كانت إدنبرة تتحدث عن محاولة سرقة مكتب الضرائب ، وما هي إلا أيام حتى تقدم أحد اللصوص ، ويدعى جون براون ، ليدلي باعترافه مقابل الوعد بالعفو عنه ، قال براون : إن عصابة السرقة تتكون منه ومن إنسلي ، وسميث وشخص رابع ، يشغل منصباً مرموقاً في المدينة .

الهروب والقبض على الجاني :
ولما أدرك برودي أن أمره كاد أن يفتضح ، هرب إلى لندن ، ثم إلى استند ، ومنها إلى أمستردام حيث تم العثور عليه مختبئاً داخل خزانة ، في انتظار السفر إلى نيويورك ، وقد وشى به جورج سميث مقابل مبلغاً من المال كمكافأة وقدرها 200 جنيه .

المحاكمة :
أعيد برودي إلى أدنبرة ليواجه تهمة السطو المسلح على مكتب الضرائب ، هناك بدأت المحاكمة في أغسطس عام 1788م ، وسط قاعة مكتظة بالمشاهدين ، وكان برودي واثقاً من البراءة ، بعد أن وَكّل المحامي المشهور هنري أرسكين للدفاع عنه ، بيد أن القاضي اللورد براكسفيلد كان أشهر قاضي في تاريخ اسكتلندا .

أدلة الجريمة :
كانت الأدلة ضد برودي دامغة ، مسدسات وجدت في منزله ، وهربه ، واعتراف شركائه ضده ، ومع أن سميث تراجع عن اعترافاته ، فإن أنسيلي وبراون قدما اعترافات تفصيلية مقابل وعود بالعفو ، حاول محامي الدفاع أن يلغي شهادة براون ، بحجة أنه كان له سجل إجرامي سابق ، غير أن الدفاع أوضح أن براون نال عفواً ، وألغي سجله الإجرامي.

تفاصيل السرقة :
أوضح أنسلي وبراون أن برودي هو الذي خطط لسرقة مكتب الضرائب ، وكان بحكم مركزه يتردد نهاراً على المكتب ، ويعرف الكثير من أسراره ، كما أنه ليلة الحادث تنكر بملابس خاصة ، وبشعر مستعار كان لوالده ، وأحضر معه دليلاً مزيفاً  للتضليل تركه في أرض المكتب ، ليوحي للمحققين أن اللصوص قدموا مكان من بعيد ، كما أن العصابة كانت مسلحة بمسدسات .

الحكم والوصية والخديعة والموت :
حكم القاضي على برودي سميث بالإعدام شنقاً حتى الموت ، وكان برودي يمازح زواره ويأمل بتخفيف العقوبة ، وعندما حان موعد تنفيذ الحكم ، سألوه عن وصيته ، طلب أن يسمح لأصدقائه بأخذ جثته مباشرة لدفنها دون تأخير .

وكان قد رشا الجلاد ليسمح بارتداء طوق معدني تحت ياقة قميصه ، وفي الموعد المحدد صعد برودي إلى منصة الإعدام ، أمام 400 ألف شاهد ، وبعد أن تدلت جثته أسرع رفاقه بأخذها حسب وصيته إلى دكانه ، حيث كان ينتظره أحد الأطباء لإنعاشه ، إن لزم الأمر ،
غير أن برودي عندما وصل إلى الدكان ، كان جثة هامدة بالفعل ، لم يستطيع الطبيب لها شيئًا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *