قصة ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت

ليس هناك انفصال بين الأمثال الشعبية والواقع الذي نعيشه ، فالأمثال الشعبية هي نتاح خبرات الناس المتوارثة منذ القدم ، وتلك المقولة ارتبطت بقصة غريبة حدثت منذ أكثر من مائة سنة ، وقد كان عمل الخير وصنع المعروف بطلها ، وشاركه الوفاء كرٍد للجميل .

قصة المثل:
يذكر أنه كان هناك رجل يسمى ابن جدعان ، خرج في فصل الربيع ، ورأى ناقة له يكاد الحليب أن ينفجر من ثديها ، وكانت كلما اقترب منها صغيرها تدر له اللبن الكثير ، فقد طرح الله بها البركة ، وجعل فيها رزقًا وفيرًا ، فتذكر الرجل جاره الفقير الذي يرعى بنياته السبع ، وقرر أن يتصدق له بالناقة وولدها إعمالًا بقول الله عزوجل : لن تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (آل عمران:92)

فأخذ الناقة وابنها وطرق الباب على جاره ، وأهداه الناقة ، فتهلل وجه الرجل لا يدري ماذا يقول ، فكان يشرب من لبنها ويحتطب على ظهرها وينتظر وليدها يكبر ؛ ليبيعه وجاءه منها خيرٌ عظيم  !! ، ولما انتهى الربيع وأتى الصيف بجفافه وقحطه ، تشققت الأرض ، وبدأ البدو يرتحلون بحثًا عن الماء والكلأ حتى وصلوا للدحول ، والدحول هي حفر في الأرض توصل إلى أبار مائية لها فتحات فوق الأرض يعرفها البدو .

ولما دخل ابن جدعان الدحل ، غاب فيه ولم يخرج حيث تاه عن باب الخروج ولم يعرف له منفذًا ، وكان له أبناء ثلاثة يتظرون بالخارج ، ظلوا يومين وثلاثة حتى يئسوا وقالوا : لعل ثعبانًا لدغه ومات ، وقد أتى هذا الأمر على هواهم ؛ فقد كانوا ينتظرون موته طمعًا في تقسيم التركة والمال .

وبالفعل ذهبوا إلى المنزل وقسموا التركة بينهم ، وقال أوسطهم لأخويه : أتذكرون ناقة أبي التي أعطاها لجارنا ، إنه لا يستحقها ، فلنستردها منه هي وابنها ونعطيه عوضًا عنها بعيرًا أجربًا ، وذهبوا إلى الرجل الفقير وقرعوا عليه الباب ، وطالبوه بالناقة ، فقال لهم :  إن أباكم أهداها لي ، أتعشى وأتغدى من لبنها ، فقالوا له : أعد لنا الناقة خيرٌ لك ، وإلا سنسحبها الآن عنوة ، وإليك هذا الجمل بدلًا منها !

فقال الرجل الذي لا حول له ولا قوة : أشكوكم إلى أبيكم ، قالوا : اشكِ إليه فإنه قد مات !! فتعجب الرجل كيف مات ؟ ولما لم يدري بموته ؟ فقالوا : دخل دِحلاً في الصحراء ولم يخرج ،  فقال لهم : اذهبوا بي إلى هذا الدحل ، ثم خذوا الناقة وافعلوا ما شئتم ولا أريد منكم شيئًا ، فلما ذهبوا به إلى موضع الدحل ، ورأى المكان الذي دخل فيه صاحبه الكريم ، ذهب وجاء بحبل وأشعل به شعلةً ثم ربطه خارج الدحل ، ونزل يزحف على ظهره حتى وصل إلى مكان يشم به رائحة الرطوبة .

وإذا به يسمع أنينًا خافتًا فزحف ناحيته في الظلام متلمسًا الأرض ، ووقعت يده على طين ثم على الرجل ، فوضع يده ليتحسسه ، فإذا به حي يتنفس بعد أسبوع من الضياع  ، فقام وجره ثم أخرجه معه خارج الدحل وأعطاه التمر وسقاه حتى ارتوى ثم حمله على ظهره وجاء به إلى داره ، ودبت الحياة في الرجل من جديد ، وأولاده لا يعلمون عنه شيئًا ، ولما استرد الرجل عافيته ، قال له صاحبه الوفي : أخبرني بالله عليك كيف بقيت أسبوعًا تحت الأرض دون أن تمت ؟!

فقال له الرجل : سأحدثك حديثًا عجيبًا ، لما دخلت الدُحل وتشعبت بي الطرق ، ولم أجد منه مخرجًا ، قلت آوي إلى الماء الذي وصلت إليه عله يبقيني على قيد الحياة ، وأخذت أشرب منه ، ولكن الجوع لا يرحم ، فالماء وحده لم يكن كافيًا .

وبعد ثلاثة أيام حينما بلغ الجوع مني كل مبلٍغ ، وبينما أنا نائم على ظهري أحسست بلبن دافئ يتدفق على لساني ، فاعتدلت في جلستي فإذا بإناء في الظلام يقترب من فمي ، فأرتوي منه ثم يذهب  ، وكان يأتيني في الظلام دون أن أراه ثلاثة مرات في اليوم ، ولكن منذ يومين انقطع ، ولا أدري لهذا سببًا ؟

فقال له الرجل الوفي : لو علمت سبب انقطاعه لتعجبت ! لقد ظن أولادك أنك مت ، وجاءوا إلي فسحبوا الناقة التي كان يسقيك الله منها ، فسبحان الله الذي أنقذ عبده المتصدق الذي فعل الخير ولم ينتظر له جزءًا ولا معروفًا ، ففرج الله كربه ، وأخرجه من ظلمة الموت ، ومن تلك القصة جاءت مقولة ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج.

رأيان على “قصة ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت”

  1. انا روى لي هذه القصه ابي
    والذي رواها لابي يكون الرجل الكريم عمه
    ورويت القصه لابي في التعينياة من القرن الماضي وقال الرجل لابي ان صاحب القصه حي يرزق في وقتاه رجل كبير السن يشارف على الموت
    ولاكن ليس ماذركت صحيح مئه في المئه
    اكو فيها تغيرات

    تحياتي لك

    1. شكرا لك على تلك الاضافة ولكن تم كتابة القصة كما ورد ذكرها منذ عام 2011م حتى الآن ، وأرجو منك ارسال القصة كما رويت لك حتى نضيف ما ينقصها ، دمت متابعًا وناقدًا بناءًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *